عقدة التفوق «الكذّابة»
صدفة كنت أتابع نشرة الأخبار في يوم الاحتفال بعيد الاستقلال، ومن بين التقارير الإخبارية التي جادت علينا بها اليتيمة في ذلك اليوم الذي يذكرنا بيوم مجيد في تاريخنا، تقرير يخص ذكرى إطلاق قناة «الجزائرية الثالثة»· ما هالني شخصيا هو أن معدة التقرير قالت أكثر من مرة إن هذه القناة حققت التفوق والتميز في الإعلام العربي، وحفرت لها مكانة متميزة وأنها بلغت الريادة وأشياء من هذا القبيل، جعلتني أعتقد أن الكلام عن قناة «الجزيرة» أو «العربية» أو قناة أخرى! ولكني بعد أن أعدت السمع جيدا، تأكدت بأن الأمر يتعلق بـ»الجزائرية الثالثة»، وأظن جازما، وليس كل الظن إثما، أن كل من يقرأ هذا الكلام أو سمعه مباشرة مثلي، إما يكون قد انفجر ضاحكا باكيا، أو أنه أصيب بمس من الجنون
·
فهل يعقل أن الرداءة تلد الامتياز، وهل من الطبيعي أن يلد الضبع غزالا، وهل من الممكن أن تلد قناتنا اليتيمة كائنات أخرى غير لقطاء! وهذا التعبير ورد على لسان مدير التلفزيون نفسه ـ وبالتالي فإن حقوق التأليف تعود إليه كاملة ـ ولكن إذا افترضنا أن كل ما سبق ممكن نظريا، فلننظر إلى الواقع، وإلى حالة هذه القناة التي لا تختلف في أشياء كثيرة عن القناة الأرضية، التي تعتبر مثالا للرداءة في كل شيء، شكلا ومضمونا، وسأكذب على القارئ الكريم إن قلت له إني أعرف مكان تواجد قنواتنا اليتيمة وأخواتها في قائمة القنوات الموجودة في بيتي، وأحيانا أمر عليها مرور الكرام من أجل أن أتأكد أن الرداءة لا تزال موجودة وقائمة تتحدى المنطق وتتحدى كل شيء، مع أنه للأسف توجد كفاءات وإطارات مهمشة داخل التلفزيون مع أنها قادرة على إحداث الفارق، بدليل الثورة التي عرفها التلفزيون الجزائري في بداية التسعينات، قبل أن تنتشر الفضائيات وقبل أن تغزونا الرقمنة· ويمكن أن أقول دون مبالغة بأن المقارنة بين قنواتنا الثلاث مع قنوات عربية مثل «الجزيرة» أو «العربية» أو «أم بي سي»، أو حتى «روتانا» ضرب من الخيال، ولا أعرف جزائريين توفر لديهم جهاز استقبال فضائي بقنواته الغنية تركوه ليتفرجوا على قنواتنا المستنسخ بعضها عن بعض والمستنسخة للرداءة والركاكة، في حين أن العالم على ضغطة زر منهم! لب الموضوع ليس هذا، وإنما في عقدة التفوق «الكذّابة» التي ألصقت أو التصقت بنا، إلى درجة أصبحنا نعتقد واهمين أو حالمين وبالتأكيد خاطئين أننا الأفضل في كل شيء، وأننا على تفاهتنا وتخلفنا أمة متميزة ومتفوقة في كل شيء، وهذا هو المرض بذات عينه، وإذا رجعنا للبحث عن أسباب هذا المرض، نجد أنه النظام ما بعد 1962 الذي كرس نظرية خير أمة أخرجت للناس، وأسس لفلسفة شعب عظيم مهما فعل ومهما عمل، بل حتى ولو لم يعمل شيئا، وبمجرد أن تطلع عليه شمس نهار فهو أفضل الشعوب وأكثرها تحضرا ورقيا، لهذا كنا في السابق نسخر من شعوب صديقة وشقيقه وجارة، ونضحك عليهم آناء الليل وأطراف النهار، لنستفيق بعد فترة قصيرة على الكارثة، وهي أننا آخر بلاد الدنيا، وأننا أكثر الشعوب تخلفا، في حين أن غيرنا تعامل بمنطق الواقعية والمصارحة، وجدّ واجتهد ليحقق رقيا وتطورا وازدهارا دون انبهار ودون عنجهية غدارة · والكلام هذا يقودنا أيضا للاحتفالات بذكرى 5 جويلية وكذا أول نوفمبر العزيزين على قلب كل جزائري مؤمن بجزائريته، وبذل وذويه كل ما يستطيعون من أجل تحرير هذا الوطن، وأعتقد أنه حان الوقت لنتوقف عن هذه الاحتفالات الفلكلورية التي بدأ الجزائريون يستثقلونها، ويشعرون أنها محاولة من أولئك الذين يمسكون بزمام السلطة في الجزائر، للاختفاء وراء أمجاد ماض صنعه رجال لم يكن لديهم شيء، سوى إيمانهم بالنصر أو بالشهادة، واستعدادهم لبذل النفس والنفيس من أجل نيل الاستقلال والتحرر من نير الاستعمار الفرنسي، ورغم أن المهمة بدت مستحيلة وضربا من الجنون، إلا أن هؤلاء نجحوا في مهمتهم، لنجد أنفسنا اليوم أمام نظام يتوفر على كل إمكانيات النجاح ولكنه يعيد إنتاج الفشل والرداءة ويبحث دائما عن أمجاد الماضي لتبرير بقائه واستمراره· لقد حان الوقت لنكاشف أنفسنا ونصارحها بعيوبها وأمراضها وعلاتها، وأن نتوقف عن إنتاج هذا الخطاب التافه، الذي لم تعد أغلبية الجزائريين تؤمن به· وقد حضرت واقعة مؤخرا اجتمع فيها شباب وشيوخ لا أعرف واحدا منهم، وبمجرد أن بدأ التلفزيون الرسمي يذيع التقارير تلو الأخرى عن ذكرى 5 جويلية، حتى بدأ هؤلاء يلعنون ويشتمون شبابا وشيوخا، وسمعت عبارات كثيرة تصب كلها في مجرى واحد مثل: «كفاكم كذبا على الشعب···» و»ماذا لو ينهض الشهداء من قبورهم···» و»ماذا فعلتم أنتم، والشباب يلقي بنفسه يوميا في البحار بحثا عن النجاح···»· هنا أدركت أن الشعور أضحى واحدا، وأن الجزائريين على اختلاف مستوياتهم وانتماءاتهم، بمن فيهم أولئك الذين عاشوا فترة الاستعمار وشاركوا في حرب التحرير، سئموا من «البزنسة السياسية» بالثورة وبذاكرة الشهداء
elkhabar