عبقرية مغربية

قرأت الأسبوع الماضي، بالصدفة، مقالا متحاملا على الجزائر في أحد مواقع الأنترنت العربية، كاتبه دكتور مغربي اسمه عبد الرحمن مكاوي، يتهم الجزائر بأن لها علاقات سرية مع إسرائيل·
وما كتب في هذا المقال ينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ”إن لم تستح فافعل ما شئت”، لعدة أسباب· أولها أن الجزائر من الدول العربية القليلة التي لا تزال ترفض إقامة علاقات مع دولة الكيان الصهيوني،

 

 أو حتى مقابلة إسرائيليين أو التعامل معهم، في حين أن أصحاب الشأن أو كما كانوا يسمون من قبل دول المواجهة، ”باعوا الماتش” ـ على حد قول التعبير العامي·
فمصر أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بعد كامب ديفيد، والأردن تبعها في عهد الملك حسين، وسوريا من جهتها تسعى لاتفاق سلام مع إسرائيل يحفظ لها ماء الوجه، ولا يعيد لها بالضرورة الجولان المحتل· وحتى دول الخليج مثل قطر أقامت علاقات مع إسرائيل، ولم تتخلف حتى الجارة موريتانيا، ناهيك عن الفلسطينيين الذين ارتموا في أحضان الإسرائيليين وأعطوا أكثر مما أخذوا·

وعلى ذكر الفلسطينيين (وسأخرج هنا عن السياق قليلا) شاهدت مؤخرا برنامجا وثائقيا عن مفاوضات كامب ديفيد 2 التي دخلها الفلسطينيون والإسرائيليون في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، والتي انتهت في الأخير بفشل ذريع· وبيت القصيد ليس هنا، وإنما في طريقة التعامل بين المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكيف كان أعضاء الوفد الفلسطيني، مثل صائب عريقات، يسارعون لاحتضان وتقبيل أعضاء الوفد الإسرائيلي، وكان بينهم السفاح آرييل شارون· وتذكرت المفاوضين الجزائريين في إيفيان، وكيف أن المرحوم كريم بلقاسم اقترح عدم مصافحة أعضاء الوفد الفرنسي طيلة أيام المفاوضات· ··································· ولعل تحامل دكتور العلاقات الدولية على الجزائر مضحك أكثر، لأنه يأتي من مغربي، وقد بدا لي بأنه أحمق أيضا، لما تعامل بمنطق ذلك الذي في ”كرشه التبن”، فسعى إلى اعتراف ذاتي بعلاقة المغرب مع اليهود ولم يقل إسرائيل، واعتبر بأن ”المنابر الإعلامية الجزائرية تجعل منها مادة دسمة للتجريح والقذف والسخرية”· ويواصل الدكتور ”الخبزيست” استغباءه للتاريخ قائلا: ”إن للمغرب علاقات واضحة مع اليهود المغاربة في إسرائيل، علاقات تقوم على ركيزتين أساسيتين· الركيزة الأولى هي أن العلاقات تتم بصفة معلنة وفي واضحة النهار، ومن خلال جالية يهودية مغربية نشيطة، لازالت تحتفظ بجنسيتها ومصالحها في المغرب، بل تشكل أقوى الجاليات المغربية في الخارج، جالية تعتبر ملك المغرب ملكها، جالية وصل بعض أفرادها إلى مستوى المسؤولية في إسرائيل (وزراء ونواب) ، فاستقبالهم في المغرب يتم على أساس مغربيتهم ليس إلا”·    ولكن الشجاعة الأدبية خانت صاحبنا في أن يواصل اعترافه، فلم يقل لنا ما هي طبيعة العلاقات بين النظام المغربي وإسرائيل، بل ما هي نوعية علاقات ملوك المغرب بجهاز الموساد· فالملك الراحل الحسن الثاني أقام عرشه بمساعدة الموساد، بل إن الصهاينة هم الذين ساعدوا على عودة والده محمد الخامس إلى العرش عندما طردته السلطات الفرنسية· ولم تتوقف الأمور عند هذه المسائل، بل إن الحسن الثاني الذي استضاف رقما قياسيا من قمم عربية وإسلامية طوال سنوات السبعينيات، سمح للموساد بالتصنت على مشاورات ومحادثات القادة العرب والمسلمين· ولم يكن الملك يتحرج من استضافة أية قمة، لأن إسرائيل ربما كانت هي التي تدفع· وهكذا، وجد القادة العرب أنفسهم مكشوفين للعدو الإسرائيلي، وما اعتقدوه جلسات مغلقة، كانت في الواقع جلسات تحت إشراف الموساد· بل إن الملك الحسن هو من أصر في إحدى القمم، وبشكل فضّ، على أن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية هي المسؤول الوحيد عن القضية الفلسطينية، لإخراج العرب من المعادلة، وذلك كان بالطبع بتخطيط إسرائيلي؟ أما لجنة القدس التي أسسها المغرب، فلم تكن إلا ذرا للرماد في العيون· وللأمانة، الخيانة لم تكن مقتصرة على الملك الحسن، فحتى العاهل الأردني حسين فعل الشيء نفسه· فالدور الذي لعبه في حرب 1967 التي سحقت فيها إسرائيل العرب، لم يعد أيضا من قبيل ”سري للغاية”، فالخطط التي كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يضعها في الصباح تصل إلى موشي ديان في المساء، ويحملها الملك حسين بنفسه إلى ”العدو الإسرائيلي”· هذه كلها حقائق تاريخية، وليس تقولا من جانب صاحب هذه الأسطر، مثلما فعل صاحبنا المغربي، الذي يكون قد فعل ما فعل هذا لإرضاء المخزن· ولكن، لا يجب أن تتحول الداعرة إلى داعية شرف، وأن ترمي غيرها بما فيها

elkhabar

Comments are closed.

=>>> اخبار الجزائر