لا رقيب ولا حسيب!
من يراقب استعمال المال العام في الجزائر؟ سؤال لا يجد إجابة·
الحكومة لازالت تقدم حججا واهمية لتبرير عدم الإتيان بقانون ضبط الميزانية، الذي يجب أن يقدم للبرلمان نهاية كل سنة، حتى يعرف ما صرف وما لم يصرف من مال عام
·
في هذا المجال، الحكومة تخرق الدستور، والكل على علم بهذا· رئيس الجمهورية لا يطلب من الحكومة أن تحترم الدستور، وتأتي بقانون ضبط الميزانية دون تأخير· البرلمان بغرفتيه صامت على هذا الأمر، كذلك النواب وأعضاء مجلس الأمة، الذين يشتغلون شهرا في سنة، أسعدهم قرار الحكومة برفع أجورهم التي أصبحت تقارب 30 مليون سنتيم في الشهر، أي ما يعادل تقريبا عشر مرات أجر أستاذ في التكميلية! دور البرلمان هو مراقبة عمل وأداء الحكومة على مدار السنة، دور لا يقوم به البرلمان الجزائري الذي لم يشكل، ولو لمرة وحدة، لجنة لتقصي الحقائق في أمور عجيبة عرفتها مؤخرا الساحة الاقتصادية والاجتماعية· القانون لا يمنع النواب من تشكيل هذا النوع من اللجان·
كان من السهل جدا على الغرفة السفلى للبرلمان أن تطلب مثلا من مدير عام شركة سونلغاز سبب الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي الذي عرفتها عدة مناطق من البلاد في المدة الأخيرة، أو تستدعي وزير الطاقة المناجم ليفسر سبب توقيف الاستثمار في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية· كما كان من الممكن أن تطلب من وزير المالية أن يعطي تفاصيل حول استعمال صندوق ضبط الإيرادات (حوالي 40 مليار دولار) الذي يمول بالفارق الموجود بين السعر الحقيقي لبرميل النقط والسعر المحدد في قانون المالية الحالي (37 دولارا)· كيف ستستعمل أموال هذا الصندوق؟ ومن يراقب هذا الاستعمال؟ الوزير كريم جودي لا يقول أي شيء حول هذا الموضوع· عند استقباله من قبل الرئيس بوتفليقة، أعطى جودي جملة من الأرقام، منها أن احتياطي الصرف قد وصل نهاية جوان 133 مليار دولار، ولكن لم يفسر كيف ستوجه الأموال الفائضة مستقبلا، خاصة أن السوق البترولية بدأت تعرف نوعا من الانخفاض· الكثير من الدول وجهت الفائض المالي إلى صناديق السيادة حتى تعزز حضورها الاقتصادي، السياسي والاستراتيجي على الصعيد الدولي، منها إيران، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، النرويج، ليبيا، كندا والمملكة العربية السعودية· لكن الجزائر، ودون أي تبرير منطقي، ترفض فتح صندوق سيادة لتوجه الأموال إلى الاستثمار الخارجي· الرئيس بوتفليقة دون أن يستشير أحدا ودون أن يفتح نقاشا حول هذا الموضوع الحساس، قرر أن لا يكون للجزائر صندوق سيادة، مفوتا بذلك فرصة كبيرة على البلاد لتقوية حضورها على خريطة العالم، وتحسين صورتها· هذا القرار غير المدروس يوضح جليا أن أموال البترول والغاز هو حكر على السلطة، وحدها تفعل بها ما تشاء، لا تترك لأي أحد أن يتدخل في هذا الشأن· السلطة في الجزائر ليست مثل تلك الموجودة في النرويج، في هذا البلد الشمالي، والذي يعد من أكبر الدول المنتجة للغاز الطبيعي، والذي يعتبر مثالا في مجال الشفافية ومحاربة الفساد· في هذا البلد، هناك صندوق كبير خصص للأجيال القادمة (أكثر من 300 مليار دولار وضعت جانبا خدمة لهذه الأجيال) حتى لا تبذر الآمال دون مراعاة المستقبل·
المصيبة أن في الجزائر لا أحد يفكر في المستقبل، الاستشراف، هذا التقليد الراسخ عند الدول المتقدمة لا يعرف له أثر في الجزائر·
هناك معهد يسمى المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة، له ميزانية، يعمل فيه خبراء، له إمكانيات البحث، ولكن لا يسمع لهذا المعهد صوت: لا ينتج كتابات، لا يتدخل في النقاش الوطني، لا أحد من خبرائه يعطي رأيه، لا ينظم ندوات أو محاضرات· فلماذا لا يغلق هذا المعهد؟ نفس السؤال يمكن طرحه حول دور مجلس المحاسبة الذي، نظريا، له كل الصلاحيات في مراقبة استعمال الأموال العمومية· لا رئاسة الجمهورية، ولا الحكومة، ولا الجيش، ولا البرلمان يسير هذا المجلس، أو يطلب منه القيام بتحقيق·
مجلس المحاسبة، والصورة واضحة وضوح الشمس، مهمش تهميشا كاملا! صرخات بعض القضاة العاملين فيه لم تحرك دوائر أخذ القرار· حتى الصحافة تناست وجود هذا المجلس· قرارات هذا المجلس ترسل كل سنة إلى رئاسة الجمهورية التي لا تعيرها أدنى اهتمام· الرأي العام يحرم من معرفة محتوى هذه التقارير· فما جدوى الحفاظ على مجلس محاسبة لا يحاسب ولا يسائل أحدا؟ أما عن المفتشية العامة للمالية (ئاة)، فحدث ولا حرج· هذا الهيئة الإدارية تعمل بعيدا عن الأضواء، وفق سياسة قديمة لا تقدر أهمية اطلاع للمواطنين حول التلاعبات والاختلاسات التي تطال الأموال العمومية· رغم توسيع نسبي لصلاحيات هذه المفتشية، إلا أن هامش عملها ونشاطها يبقى محدود جدا· فحتى تقارير وتحقيقات هذه الهيئة التي من المفروض أنها تصل إلى القضاء، تحفظ في الأدراج وتنسى· أن يكون هذا تسترا على الجريمة لا يقلق لا وكلاء الجمهورية، لا وزير العدل، ولا أحد آخر من المسؤولين·
التفتيش لن يكون له معنى إلا إذا تبع بإجراءات عقابية وقضائية لكل من يختلس ويحول المال العام·
غياب، أو تهميش، آليات الرقابة والمحاسبة في كل المستويات جعل الكثير من الخبراء يصنفون الجزائر من بين البلدان الغنية التي لا تعرف كيف تتصرف بأموالها، والذي يعرف اقتصادها تفش واسع للفساد· ألم تضع منظمة شفافية دولية (ترانبارنسي) الجزائر من بين الدول الأكثر فسادا في العالم دون أن ينطق مسؤول جزائري ويأتي بالعكس؟ محاربة الفساد والرشوة لن تكون بإنتاج أوراق وتوجيهات تبعثها الحكومة إلى الإدارات والمؤسسات العمومية، وكأن الأمر بسهولة تامة· الحكومة التي تمثل سلطة لا تترك لأي كان مساءلتها ومحاسبتها ليس لها أي مصداقية في مسعى محاربة الفساد والاختلاسات·
elkhabar